الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

203

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ومن جهة أخرى ، فإن إبراهيم كان قد أدى رسالته في الواقع - في تلك البلاد ، ووجه ضربات ماحقة إلى هيكل وبنيان الشرك ، وبذر بذور الإيمان والوعي في تلك البلاد ، وبقيت المسألة مسألة وقت لتنمو هذه البذور وتبدي ثمارها ، وتقلع جذور الأصنام وعبادتها ، وتسحب البساط من تحتها . فلابد من الهجرة إلى موطن آخر لإيجاد أرضية لرسالته هناك ، ولذلك صمم على الهجرة إلى الشام بصحبة لوط - وكان ابن أخ إبراهيم - وزوجته سارة ، وربما كان معهم جمع قليل من المؤمنين ، كما يقول القرآن الكريم : ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين . وبالرغم من أن اسم هذه الأرض لم يرد صريحا في القرآن ، إلا أنه بملاحظة الآية الأولى من سورة الإسراء : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله يتضح أن هذه الأرض هي أرض الشام ذاتها ، التي كانت من الناحية الظاهرية أرضا غنية مباركة خضراء ، ومن الجهة المعنوية كانت معهدا لرعاية الأنبياء . وقد وردت بحوث مختلفة في التفاسير والروايات في أن إبراهيم ( عليه السلام ) هاجر تلقائيا ، أم أبعدته سلطات نمرود ، أم أن الاثنين اشتركا ، والجمع بينها جميعا هو أن نمرود ومن حوله كانوا يرون في إبراهيم خطرا كبيرا عليهم ، فأجبروه على الخروج من تلك البلاد ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن إبراهيم كان يرى أن رسالته ومهمته في تلك الأرض قد انتهت ، وكان يبحث عن منطقة أخرى للعمل على توسيع دعوة التوحيد فيها ، خاصة وأن البقاء في بابل قد يشكل خطرا على حياته فتبقى دعوته العالمية ناقصة . وفي حديث عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : إن نمرود " أمر أن ينفوا إبراهيم من بلاده ، وأن يمنعوه من الخروج بماشيته وماله ، فحاجهم إبراهيم عند ذلك فقال : إن